روايات

لقاء بعد الف,راق سنين حكـايات إنجـي الخطيـب

واحد من المديرين ضحك بسخرية. آدم لأ. سند بإيده على الترابيزة وقال: “كملي.” وكملت. اتكلمت عن تعويضات عادلة، ومحلات السكان، وشقق متوسطة، وتسهيلات استثمارية، وأرباح طويلة المدى. كانت بتتكلم بن,,ار واحدة طول عمرها الناس بتقلل منها… وقررت تخلي التقليل ده غالي. لما خلصت، المدير المالي همس: “البنت دي وفرت للشركة ملايين وخلت شكلنا محترم قدام الناس.” ليلى سمعته وقالت بابتسامة خفيفة: “أنا أفضل كلمة شاطرة عن محترمة.” آدم ضحك غصب عنه. ولأول مرة من سنين… حس إن في حد قدر يهزه من جواه

انتهى الفلاش باك بضغطة قوية من يد “لارا” على ذراع آدم، لتُعيده بعن,,ف إلى أرض الواقع، إلى القاعة الكبرى بالجامعة الأمريكية التي تحولت في ثوانٍ معدودة إلى ساحة محاكمة صامتة. الفلاشات التي كانت تلتقط صور التخرج، بدت لآدم وكأنها صعقات كهربائية تض,,رب وعيه. لارا، بصوت يرتجف بخلط من الذعر والإهانة، تراجعت خطوة للخلف: “ابنك؟ آدم… أنت بتقول إيه؟ ومين دي أصلاً؟”

آدم لم يكن يسمعها. خطى خطوة أخرى باتجاه المسرح، عيناه مثبتتان على “ياسين”. الصغير كان ينظر إليه بريبة، ممسكًا بطرف سترة والدته، لكن تلك النظرة المتحدية، ونفس الرفعة البسيطة لحاجبه الأيسر، كانت مرآة ممسوحة من طفولة آدم نفسه. الجينات لم تكن تكذب، كان يرى نفسه في نسخة مصغرة لم يتخيل وجودها يوماً. ليلى وقفت كشجرة صلبة في مهب الريح. حاولت جاهدة استعادة قناع البرود الاحترافي الذي غادرت به دبي، لكن ارتعاشة شفتيها فضحتها. التفتت إلى رئيس الجامعة المستغرب من الموقف، وقالت بنبرة حاولت جعلها رسمية:

“دكتور نبيل، أنا بعتذر جداً… يبدو إن في سوء تفاهم شخصي. هحتاج أستأذن لخمس دقائق.” أمسكت يد ياسين بقوة ونزلت من درجات المسرح الجانبية بسرعة، متجهة نحو غرف الاستراحة الخاصة بالمحاضرين خلف الكواليس. تحرك آدم وراءها غريزيًا، مدفوعًا بقوة قاهرة، متجاهلاً نداءات لارا العالية: “آدم! لو مشيت وراها دلوقتي، كل اللي بيننا هينتهي! إحنا معازيمنا برة، والصحافة برة!” لكنه لم يلتفت. اسم “ياسين” كان يتردد في عقله كض,,ربات ناقوس خطر. تجاوز أفراد الأمن الذين تراجعوا هيبةً من ملامحه الصارمة وجسده الرياضي الم,,وتور، ودفع باب الغرفة المغلقة ليدخل خلف ليلى مباشرة.

الغرفة كانت هادئة، بعيدة عن ضوضاء القاعة. ليلى كانت تقف وظهرا للباب، تأخذ نَفَساً عميقاً وهي تحتضن ياسين الذي بدا خائفاً من الأجواء. أغلق آدم الباب بقوة، صوته خرج أجشاً، محملاً بوجع خمس سنوات من الفقد والأسئلة: “خمس سنين يا ليلى؟ خمس سنين مخبية عني إن عندي ابن؟ بتم,,وتيلي أبويا، وبتختفي من حياتي، ولما ترجعي… ترجعي ومعاكي حتة مني شايل اسمك إنتي؟” التفتت ليلى إليه، والدموع التي حبستها أمام الجمهور انطلقت أخيراً على وجنتيها، لكن عينيها كانتا تشعان بغض,,ب قديم:

“ابنك؟! دلوقتي بقيت فاكر إنه ابنك؟ ومنين جالك اليقين ده فجأة يا ابن السيوفي؟ مش إنت اللي آخر كلمة قولتهالي إن إحنا كنا مجرد مرحلة، وإن عيلتك مش هتقبل ببنت جاية من منطقة شعبية كل طموحها شوية رسوم,,ات هندسية؟” صدمة كلامها ألجمته لثوانٍ. اقترب منها وعيونه تشتعل:

“أنا عمري ما قولت كده! إنتي مشيتي بعد ليلة… ليلة ما افتكرتش غيرها طول السنين اللي فاتت! صحيت لقيت الشقة فاضية، وتليفونك مقفول، ولما روحت مكتبك قالوا إنك قدمتي استقالتك وسافرتي دبي بعقد عمل جاهز! أنا دورت عليكي زي المجنون يا ليلى، لحد ما أبويا حركته جلطة وم,,ات بعدها بأسبوع، والدنيا اتهدت فوق دماغي!” ضحكت ليلى بسخرية مريرة، مسحت دموعها بسرعة والتفتت لياسين، وقالت له بصوت حنون متقطع: “ياسين حبيبي… ادخل الأوضة اللي جوة دي ثانية واحدة، ماما هتتكلم مع عمو وجاية علطول، ماشي؟”

الولد نظر لآدم بنظرة أخيرة، نظرة جعلت قلب آدم ينخلع من مكانه، ثم أومأ برأسه ودخل الغرفة الداخلية. بمجرد أن أُغلق الباب الصغير، تحولت ليلى إلى نمرة جريحة، اقتربت من آدم حتى تكاد أنفاسهما تلتقي: “كداب! إنت دورت عليا؟ إنت اللي بعتلي أبوك يا آدم! الله يرحمه بقا… جالي الشقة تاني يوم الفجر، ورمى في وشي شيك بخمسة مليون جنيه، وقالي إنك وافقت على الخطوبة من بنت الوزير عشان تنقذوا صفقة أرض التجمع، وإن وجودي في حياتك هيدمر مستقبلك… وقالي بالحرف: آدم بايع، ومكسوف يواجهك!”

تراجع آدم خطوة للخلف، وكأن أحداً ض,,ربه بمطرقة حديدية على رأسه. الغرفة دارت به. عاصم السيوفي، والده الراحل، الرجل الذي كان يرى البيزنس إلهاً والزيجات صفقات… هل فعلها؟ “أبويا؟” همس آدم بذهول حقيقي. “أنا؟ أنا أوافق على صفقة مقابل إني أسيبك؟ أنا رفضت الصفقة دي والشركة خسرت وقتها ملايين بسبب الرفض ده! ليلى… أنا الشيكات دي عمري ما شوفتها، وأبويا قالي إنك جالك عقد دبي ومشيتي عشان مستقبلك وما همكيش وجودي!”

نظرت ليلى إلى ملامحه. كانت تعرف آدم جيداً، تعرف متى يكذب ومتى يرتدي قناع العمل. الصدمة التي في عينيه الآن كانت حقيقية لدرجة مرعبة. تراجعت هِي الأخرى، وبدأت يدها ترتعش مجدداً: “أنت… أنت ما كنتش تعرف؟” “ما كنتش أعرف إيه?!” صرخ آدم بلوعة. “ما كنتش أعرف إن حياتي اتس,,رقت مني؟ إن ابني عاش أربع سنين بعيد عني؟ ليلى… أنا خطبت لارا من ست شهور بس، بضغط من أمي عشان البيت ما يفضاش عليا، بعد خمس سنين عايش فيهم زي الآلة، بشتغل بس! عمري ما نسيتك… ولا ثانية!”

في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بعن,,ف. دخلت لارا، ووراءها والدتها السيدة الفاضلة من طبقة النبلاء القاهرية، وعلام,,ات الغض,,ب والاشمئزاز تكسو وجهيهما. نظرت لارا لليلى بنظرة تقليل واضحة، ثم وجهت كلامها لآدم: “آدم! المهزلة دي لازم تنتهي حالا. قاعة التخرج مقلوبة، والصحفيين بيسألوا مين الست دي وإيه حكاية الطفل. لو سمحت، سيب البنت دي وحسابها مع المحامين بتوعنا لو بتتبلى عليك، وتعالى معايا نخلص اليوم.”

التفت آدم ببطء نحو لارا. في تلك اللحظة، شعر بفجوة هائلة تفصله عن هذا العالم الزائف الذي يعيش فيه. نظر إلى ليلى، التي رفعت رأسها بكبرياء يرفض الاستجداء، ثم نظر إلى الباب المغلق حيث يقبع ابنه… دمه. أخذ آدم نَفَساً عميقاً، وخلع دبلة الخطوبة من يده اليمين بهدوء مرعب، ووضعها في يد لارا المذهولة. “آدم! أنت بتعمل إيه؟” صرخت لارا بذهول. “أنا آسف يا لارا… المشهد ده مش تبعك، وما ينفعش تكوني فيه. الحفلة خلصت بالنسبة لي.” قالها بصوت قاطع لا رجعة فيه.

التفت لليلى، وعيونه تحمل وعداً قديماً متجدداً بالمعركة: “خمس سنين ضاعوا مننا بسبب كدبة… بس ابننا مش هيضيع يا ليلى. وياسين مش هيقضي ليلة واحدة تانية وأبوه مش في حياته.” وقفت ليلى مذهولة من جرأته وتضحيته بكل شيء في ثوانٍ، بينما تركت لارا الغرفة وهي تتوعد بفضيحة تهز سوق العقارات في مصر. لكن آدم لم يكن يهتم… فالملياردير الذي يملك كل شيء، اكتشف للتو أن ثروته الحقيقية كانت تختبئ خلف ستارة المسرح. الفصل الثالث والأخير

انغلقت ضوضاء الجامعة الأمريكية خلفهم، لكن الضوضاء الأكبر كانت قد بدأت للتو في الخارج. خرجت “لارا” ووالدتها والشرر يتطاير من أعينهما، ولم تمر دقائق حتى بدأت الهواتف تهتز في جيب “آدم السيوفي”. اتصالات متتالية من مديري علاقاته العامة، ومن والدته “السيدة نائلة”، ومن شركائه في السوق. الفضيحة كانت تدق الأبواب، لكن آدم، ولأول مرة منذ خمس سنوات، كان يشعر بالهدوء. الخوف الذي عاش فيه لسنوات من خسارة اسم عائلته أو اهتزاز أسهم شركته تبخر تماماً بمجرد أن نظر إلى “ياسين”.

في غرف الاستراحة، كانت ليلى واقفة مذهولة، تنظر إلى الدبلة التي تركتها لارا وراءها على الطاولة، ثم تنظر إلى آدم. “أنت مجنون يا آدم؟” همست وهي تحاول التقاط أنفاسها. “أنت دمرت كل حاجة في ثواني! خطوبتك، برستيجك، عيلتك… أنت عارف لارا وأهلها ممكن يعملوا إيه في سوق العقارات؟” تحرك آدم نحوها بخطوات ثابتة، وعيناه ممتلئتان بنظرة لم ترها ليلى منذ ليلتهما الأخيرة في القاهرة. نظر إليها وقال بصوت هادئ ومنخفض:

“البرستيج والفلوس والاسم كانوا حيطة سد عشت وراها خمس سنين وأنا ميت يا ليلى. كنت فاكر إنك بعتيني، كنت بصحى كل يوم أسأل نفسي أنا قصرت في إيه عشان تمشي وتسيبيني؟ لما شوفت ياسين… وشوفت عيونه، عرفت إن الحقيقة أغلى بكتير من أي صفقة. أنا مش هسيبك تمشي تاني، ومش هسيب ابني يتربى بعيد عني وعن اسمي.” في تلك اللحظة، فُتح الباب الداخلي وخرج ياسين ببطء، ينظر إليهما بعيون تملأها الحيرة. اقترب من والدته وأمسك بفستانها:

“ماما… إحنا هنمشي؟” آدم لم يتمالك نفسه. نزل على ركبتيه ليصبح في نفس مستوى طول الصغير. شعر برعشة في جسده وهو يمد يده ببطء شديد، كأنه يخشى أن يلمس سراباً فيختفي. ياسين لم يتراجع، بل ظل ينظر إلى وجه آدم بفضول طفولي. وضع آدم يده على كتف الصغير، ونطقت شفتاه بأكثر الكلم,,ات صدقاً في حياته: “يا سيدي… أنا اسمي آدم. وأنا مش بس عمو… أنا هكون معاك دايماً من هنا ورايح.” التفت ليلى بوجهها بعيداً وهي تبكي بصمت، بينما نظر الولد لآدم وقال ببراءة:

“أنت عندك غمازة زيي…” ابتسم آدم والدموع تحتبس في عينيه: “أنت اللي عندك غمازة شيك زيي يا بطل.” لم يمر اليوم بسلام. اضطر آدم لإرسال ليلى وياسين مع سائقه الخاص إلى فندق هادئ بعيداً عن الأنظار، بينما توجه هو مباشرة إلى قصر عائلة السيوفي في حي جاردن سيتي. كان يعلم أن المواجهة الحقيقية تنتظره هناك. عندما دخل القصر، كانت الأجواء مشحونة. “السيدة نائلة”، والدته، كانت تجلس في الصالون الكبير وبيدها هاتفها، ووجهها يحمل علام,,ات الغض,,ب الشديد. بمجرد أن رأت ابنه يدخل ببدلته، وقفت وصاحت:

“أنت جنيت يا آدم؟ إيه المهزلة اللي حصلت في الجامعة دي؟ مكلمني لارا وأمها في حالة انهيار، وبيقولوا إنك رميت الدبلة عشان خاطر واحدة مهندسة وولد صغير؟ إيه الكلام الفاضي ده؟” جلس آدم على المقعد المقابل لها بكل برود، وخلع سترته ووضعها جانباً. نظر إلى والدته وقال بنبرة حاسمة: “الولد الصغير ده يبقا ياسين آدم عاصم السيوفي… حفيدك يا أمي.” شحب وجه نائلة وتراجعت خطوة للخلف: “أنت بتقول إيه؟ حفيد مين؟ أنت مكنتش متجوز!”

“أبويا الله يرحمه هو اللي عمل كده.” قالها آدم بمرارة وغض,,ب مكتوم. “من خمس سنين، لما عرف إني بحب ليلى منصور وعايز أتجوزها، راح لها من ورايا وهددها وادّاها شيك بـ 5 مليون جنيه، وكذب عليها وقال لها إني بايعها عشان صفقة أرض التجمع ومكسوف أواجهها. ليلى مشيت وهي حامل في ابني، وأنا عشت خمس سنين فاكر إنها غدرت بيا… أبويا دمر حياتي وحياة ابني عشان خاطر البيزنس.” أدارت نائلة وجهها، ولم تبدُ على وجهها علام,,ات الصدمة الكاملة، مما جعل آدم يضيق عينيه بشك:

“أنتِ كنتِ عارفة يا أمي؟”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى