صمتت نائلة لثوانٍ، ثم قالت بنبرة باردة تحاول إخفاء ذنبها: “أبوك كان شايف مصلحتك يا آدم! ليلى كانت بنت من منطقة شعبية، مالهاش ضهر ولا عيلة تسندك في السوق. إحنا عيلة السيوفي، مكن ينفع تتجوز واحدة مجهولة وتضيع صفقة التجمع اللي وقفت الشركة على رجليها تاني! أبوك عمل الصح عشان يحميك.”
وقف آدم وعيناه تشتعل بالرفض: “يحميني؟ يحميني من إني أكون أب؟ يحميني من الست الوحيدة اللي أحبها؟ أبويا م,,ات بجلطة بعد أسبوع من سفرها، وكأنه عقاب ربنا ليه على الكسرة اللي كسرها لبنت ملهاش ذنب! أنا مش هكمل في اللعبة دي يا أمي. أنا سبت لارا، وشغلي في الشركة هيفضل زي ما هو، لكن حياتي الشخصية ليلى وياسين هما عنوانها من النهاردة. لو مش هتقبلي بيهم في البيت ده… أنا هسيب البيت والشركة كلها.” صدمت نائلة من نبرته القاطعة. كانت تعلم أن آدم هو العمود الفقري لشركات السيوفي، وبدونه ستنهار الإمبراطورية العقارية في شهور. تراجعت وقالت بقلة حيلة:
“والصحافة؟ وسوق العقارات؟ وعيلة لارا اللي بتهدد بفسخ العقود المشتركة؟” “خليهم يفسخوا اللي عايزينه.” قال آدم وهو يتجه نحو الباب. “السوق بيحترم القوي، وأنا عمري ما هكون أقوى من دلوقتي وأنا ابني في حض,,ني.” في اليوم التالي، توجه آدم إلى الفندق حيث تقيم ليلى. كان يحمل في يده ملفاً كبيراً. عندما فتحت ليلى الباب، كانت تبدو مرهقة، ولم تنم طوال الليل من التفكير. دخل آدم وجلس، ثم طلب من ياسين أن يلعب في الغرفة المجاورة لبعض الوقت. نظر إلى ليلى وقال:
“أنا واجهت أمي وعرفت كل حاجة. أبويا فعلاً هو اللي خطط لكل ده، وأمي كانت عارفة. أنا بعتذر لك يا ليلى… بعتذر لك عن كل وجع وكل لحظة خوفتي فيها لوحدك في الغربة وأنتِ شايلة ابني.” نظرت إليه ليلى بحزن، وقالت: “الاعتذار مش هيصَغّر ياسين يا آدم، ولا هيرجع الأيام اللي كنت بشتغل فيها 18 ساعة في دبي عشان أثبت لنفسي وللعالم إني مش البنت الضعيفة اللي أبوك رما في وشها شيك وطردها. أنا عملت اسمي بنفسي، وبقيت مهندسة كبيرة ومش محتاجة فلوس عيلة السيوفي.”
ابتسم آدم بخرق وقال: “أنا عارف إنك مش محتاجة فلوس، أنا اللي محتاج وجودك. ليلى… أنا خلعت الدبلة ومستعد أخسر كل حاجة عشان نبدأ من جديد. أنا مش بطلب منك ترجعيلي علطول، أنا بطلب منك تديني فرصة أكون أب لياسين… وفرصة أثبت لك إن آدم اللي حبيتيه زمان لسه عايش، بس بقى أقوى وماحدش يقدر يتحكم فيه.” أخرج آدم الملف وضعه أمامها: “ده اعتراف رسمي مني بنسب ياسين، وقدمت الأوراق للمحكمة عشان شهادة ميلاده تتعدل ويكون اسمه ياسين آدم السيوفي. ده حق ابني، ومش هتنازل عنه.”
نظرت ليلى إلى الأوراق، ثم نظرت إلى آدم. رأت في عينيه الصدق والندم والحب الذي لم ينطفئ رغماً عن كل السنين. تنهدت وقالت: “ياسين بيحبك… من أول ما شافك وهو بيقول إنك شبهه. أنا مش هحرم ابني من أبوه يا آدم… بس إحنا محتاجين وقت.” “معانا العمر كله يا ليلى.” قالها آدم وهو يشعر بغصة الفرح تخنق صوته. مرت ستة أشهر على ذلك اليوم المشهود.
الصحافة تحدثت كثيراً عن الانفصال المفاجئ بين الملياردير آدم السيوفي ولارا، وعن ظهور “المهندسة العالمية ليلى منصور” مجدداً في حياته. حاول المنافسون استغلال الموقف لض,,رب أسهم شركة السيوفي، لكن آدم أثبت ذكاءه وحنكته؛ حيث أعلن عن مشروع عقاري ضخم جديد بتصميم مبتكر من مكتب ليلى منصور في دبي، مشروع صديق للبيئة يخدم الأسر المتوسطة، تماماً كما كانت تحلم ليلى في لقائهما الأول منذ خمس سنوات. النجاح الساحق للمشروع أخرس كل الألسنة.
وفي يوم مشمس وجاف من أيام القاهرة، وتحديداً في حديقة فيلا آدم الجديدة بالشيخ زايد، والتي اختارها بعيداً عن صخب قصر جاردن سيتي ليصنع فيها ذكريات جديدة، كانت هناك حفلة صغيرة مقتصرة على الأصدقاء المقربين. ياسين، الذي أصبح يرتدي ملابس أنيقة تشبه ملابس والده، كان يجري في الحديقة ممسكاً بطائرة ورقية، ويضحك بصوت عالٍ. “السيدة نائلة” كانت تجلس على مقعد جانبي، تنظر إلى حفيدها بابتسامة خفيفة بدأت تتسلل إلى وجهها الصارم بعد أن غلبها سحر الصغير وشبهه الكبير بوالده.
وقف آدم بجانب ليلى، وكانا ينظران إلى ابنهما. ليلى كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً، وشعرها يتطاير مع النسم,,ات الخفيفة. التفت آدم إليها، وأخرج علبة قطيفة صغيرة من جيبه، وفتحها ليظهر خاتم زواج ألماسي رقيق جداً، ليس ضخماً ولا مبالغاً فيه، بل يشبه بساطتها وقوتها. “خمس سنين ضاعوا في الفراق يا ليلى… والنهاردة، قدام ابننا، وقدام الدنيا كلها، بطلب منك تكوني مراتي وشريكة حياتي وأم أولادي اللي جايين. تقبلي تبدأي معايا الفصل الجديد من عمرنا؟”
نظرت ليلى إلى الخاتم، ثم إلى ابنهما الذي توقف عن الجري وجاء ليقف بجانبهما ممسكاً بيده يدهما معاً. ابتسمت ليلى ابتسامتها الساحرة التي ظهرت فيها غمازتها، وقالت وعيناها تلمعان بدموع السعادة: “موافقة يا آدم… موافقة لأن الحكاية دي كان لازم تنتهي النهاية الصح.” أخذ آدم الخاتم ووضعه في إصبعها، ثم رفع ياسين وحض,,نهما معاً بقوة، في لقطة التقطتها عدسة كاميرا صديق مقرب… لقطة لم تكن لصفقة عمل، ولا لبرستيج زائف، بل لعائلة تجمعت بعد شتات، لتثبت أن الحب الصادق قد يتأخر، ولكنه يعود دائماً ليأخذ مكانه الصحيح.
نهاية الرواية. ————————————————— #انجي_الخطيب شكراً لكل المتابعين على التفاعل الجميل! وبكده نكون وصلنا لنهاية قصة آدم وليلى وياسين، نهاية سعيدة تليق بقلوبهم. استنوني في رواية جديدة وقصة أقوى قريباً جداً! متنسوش رأيكم في الكومنتات