روايات

جوزى بيفضل طـ,ـليقته

قربت منه خطوة، وعينها فيها تحدي مش حب: “لو فاكر إن “نادية” مشيت فإني هوافق أكون البديلة اللي تقعد في المطبخ، تبقى غلـ . ـطان ومبتعرفنيش. شغلي هو أهم حاجة في حياتي، وأهم منك ومن أي حد.. إنت كنت “مرحلة” في حياتي، ولو جاي تفتح سيرة الشغل أو تحط لي شروط، يبقى الباب اللي “نادية” خرجت منه، يوسعك إنت كمان والنهاردة قبل بكرة.”

بصت في ساعتها بمنتهى البرود وكملت: “أنا مـ . ـتأخرة على ميعاد مهم، ومبضيعش وقتي في كلام ملوش لازمة.. لو عايز ابنك، هو موجود، لكن لو عايز “هند” الخدامة اللي بتسـ . ـمع الكلام، روح دور عليها في حتة تانية غير هنا.. وابعد عن سيرة شغلي خالص عشان ما نخسرش بعض للأبد.” سابته واقف في مكانه، مذهول.. الرجل اللي ساب مراته “بتطلع في الروح” عشان خاطرها، لقى نفسه دلوقتي “رخيص” قدام طموحها، ولا لقى الحنية اللي ضيع بيته عشانها، ولا لقى التقدير اللي كان فاكر إنه هيلاقيه عندها.

خالد في اللحظة دي عرف إنه خسر “الماس” عشان خاطر “نحاس” مطلي.. عرف إنه ضحى بـ نادية اللي كانت بتستنى منه كلمة، عشان خاطر هند اللي شايفة إنه ميجيش في أهمية مكالمة تليفون من شغلها.

خرج خالد من عند هند والكلمـ . ـات اللي رمـ . ـتها في وشه كانت زي الكرابيج اللي بتقطع في كرامـ . ـته. مشيته كانت تقيلة، وجسـ . ـمه مهدود من الخيبة اللي ماكنش يتخيلها.. الجرح المرة دي كان في رجولته اللي هند اهانتها ببرود وتكبر غريب. ركب عربيته وفضل قاعد ورا الدريكسيون دقايق، بيبص للفراغ وهو مش مستوعب إزاي “الحلم” اللي ضحى بكل حاجة عشانه، اتحول لـ “كابـ . ـوس” بيطرده بره حساباته خالص.

بدأ يلف في الشوارع وهو مش عارف يروح فين، وكأن الدنيا كلها ضاقت في عينه. ومن غير ما يحس، لقى نفسه واقف قدام “الفترينة” اللي نادية عينيها لمعت قدامها وهي بتشاور على الفستان اللي كان نفسها فيه. نزل من العربية ووقف قدام الازاز، يبص للفستان اللي استخسره في مراته الأصيلة عشان يروح يقدمه “قربان” لطليقته اللي مش شايفاه أصلاً. افتكر كلمـ . ـته الباردة لـ نادية: “مش وقتها يا نادية”، ضحك بسخـ . ـرية ووجـ . ـع وهو بيقول لنفسه: “وهو كان فيه وقت أهم من قلبك اللي كسـ . ـرته بإيدي؟”

طلع موبايله وبدأ يقلب في صور نادية. ولأول مرة، ماشافش فيها مجرد “واحدة عايشة معاه”، شاف تفاصيل عمره ما اهتم بيها؛ شاف في عينيها صبر سنين، وفي ضحكتها وجـ . ـع كان بيحاول يغمض عينه عنه. افتكر مشهد المـ . ـستشفى، وشها اللي كان خاطف من السخونية، وهي بتبص له بكسرة وهو “بيحايل” غيرها. في اللحظة دي، حس بسـ . ـكينة بتتدبـ . ـح في قلبه.. عرف إنه خسر “الماس” اللي كان منور حياته، عشان خاطر “حتة نحاس” مصدية، مش عامله له أي قيمة قدام مكالمة تليفون أو اجتماع شغل.

رجع بيته، البيت اللي فجأة بقى جدران باردة وتخـ . ـوف. دخل الأوضة، ريحة عطرها لسه مالية المكان، بس الدولاب فاضي.. الشنط اللي أخوها خدها ماخدتش الهدوم وبس، دي خدت “روح البيت” معاها. قعد خالد على طرف السريـ . ـر، نفس السريـ . ـر اللي سابها عليه بتمـ . ـوتوراح لغيرها، ودفـ . ـن وشة بين إيديه وانفجر في البكـ . ـاء. مكنش عياط ضعف، كان عياط ندم فات أوانه، عياط راجل اكتشف إنه هدم بيته بإيده، وباع اللي اشترته بأرخص تمن، عشان يلاقي نفسه في الآخر لوحده.. لا طال نادية، ولا نال رضا هند.

خالد مابطلش محاولات.. كان كل يوم يقف قدام بيت أهل نادية بالساعات، يبعت ناس وصحاب ويدخل وسائط عشان “المية ترجع لمجاريها”. كان بيحلف لكل اللي يكلمه إنه عرف قيمـ . ـتها، وإن “هند” دي كانت غمة وانزاحت عن عينه، وإنه مستعد يكتب لها البيت باسـ . ـمها بس ترجع.

لكن نادية المرة دي كانت “واحدة تانية”. الوجـ . ـع اللي شافته وهي بتمـ . ـوتلوحدها، والمنظر اللي شفته في المـ . ـستشفى، خلى قلبها يقسى قسـ.ـوة هي نفسها مكنتش تتخيلها. كانت كل ما تضعف أو تفتكر له ذكرى حلوة، تفتكر “كوباية العصير” اللي كان بيشربها لـ هند، فتقوم وتنفض عنها أي حنين. أهل نادية كمان كانوا “حائط صد” مبيتهزش. أخوها أحمد كان رده واحد لكل اللي يتوسطوا: “الرجل اللي استرخص مراته وهي في ذمة الله، ملوش عندنا أمان. بنتنا مش للبيع ولا للشراء، والباب اللي اتقفل مش هيتفتح تاني.”

لما لقى خالد إن مفيش فايدة، بدأ يضغط بورقة “البيت والمنقولات”، ويقول: “مش هطلق إلا لما تبري ذمـ . ـتي من كل حاجة”. كان فاكر إنهم هيخـ . ـافوا على “شقاهم” ويرجعوها له. لكن رد نادية كان الصدمة اللي مكنش يتوقعها. طلبت تقابله في حضور أهلها، ولما جه ودخل وهو فاكر إنها هتلين، بصت له بعين باردة وقالت له بمنتهى القوة:

“يا خالد، الفستان اللي استخسرته فيا، والبيت اللي بتهددني بيه، وكل مليم صرفته.. مايسووش عندي لحظة واحدة من اللي عشتها وأنا حاسة إني (هوا) جنبك. أنا ببيعك بجد، ببيعك من قلبي قبل ما أبيعك على الورق. طلقني يا خالد، وبالنسبة لحقوقي، فـ كرامـ . ـتي اللي إنت دوست عليها أغلى من أي قايمة وأي عفش.” أهلها ضغطوا عليه بكل الطرق القانونية والودية، وبان لـ خالد إن مفيش رجوع، وإن “نادية” اللي كانت بكلمة حلوة بتصفى، مابقتش موجودة. تحت ضغط أخوها، وإصرار نادية اللي مـ . ـتهزش، لقى نفسه واقف قدام المأذون وهو بيمضي على ورقة طـ . ـلاقها.

في اللحظة اللي المأذون قال فيها “أنتِ طالق”، خالد حس إن روحه هي اللي بتتسحب منه. بص لـ نادية مستني يشوف دمعة في عينها، بس لقى “راحة” غريبة مرسومة على وشها. خرجت نادية من عند المأذون، ساندة على كتف أخوها، بس المرة دي مش عشان مريضة.. ساندة عليه وهي “حرة”. ركبت العربية وطلبت من أخوها يفتح الشباك، وكأنها كانت محبـ,ـوسة في أوضة ريحتها “علف” وطلعت أخيراً تشم هواء نظيف.

خالد فضل واقف مكانه، معاه ورقة تثبت إنه “عـ,ـازب”، بس الحقيقة إنه كان “خسران” كل حاجة.. خسر الست اللي كانت ممكن تعيش معاه على الحلوة والمرة، عشان خاطر وهم سابه في نص الطريق وجري ورا شغله. دارت الأيام بـ خالد دورة مابترحمش، والزمن اللي كان فاكر إنه بيضحك له، كشر له عن أنيابه وبقى هو اللي بيشرب من نفس الكأس اللي سقى منه نادية.

رجع خالد لحالته القديمة، بس المرة دي كانت أوحـ . ـش بكتير. رجع للوحدة اللي بتاكل في الجدران، البيت اللي كان دايماً ريحته أكل ونضافة وحياة بفضل نادية، بقى ريحته “تراب” وإهمال. السكون في الشقة بقى له صوت بيصـ . ـرخ في ودنه كل ليلة، ومحدش بقى بيعبره ولا يسأل فيه، حتى صحابه اللي كانوا بيملوا حياته، كل واحد انشغل في حاله، وهو بقى “تقيل” على الكل بشـ . ـكواه وندمه اللي مبيخلصش.

وفي ليلة شتا قـ . ـاسية، الجسـ . ـم اللي كان بيستقوى بيه خذـ . له. سخن خالد، وحرارته بدأت تعلى وتعلى لحد ما وصلت للأربعين، نفس الرقم اللي نادية كانت بتصارعه وهي بتمـ . ـوتقدام عينه. لقى نفسه مرمي على السريـ . ـر، مش قادر يرفع راسه، وعينه زايغة في سقف الأوضة.

مد إيده بلهفة وتعب ناحية الكومودينو عشان يطول كوباية مية يبل ريقه اللي نشف من النـ . ـار اللي في جسـ . ـمه، بس لقى الكوباية “فاضية” وعليها تراب. حاول يقوم يسند نفسه بس جسـ . ـمه خانه ووقع تاني على السريـ . ـر وهو بيتمـ . ـتتم باسـ . ـم نادية من غير ما يحس. كان مستني إيد حنينة تتحط على جبهته، كان مستني حد يغطي ويرفع عنه الغطا، بس ملقاش غير “الفراغ”.

طلع موبايله بإيد بترعش، ودور على رقم هند. كان لسه فيه حتة غبية جواه فاكرة إنها ممكن تحن أو تسأل. رن مرة والتانية.. وفجأة، الخط اتفتح، بس قبل ما ينطق بكلمة واحدة، سـ . ـمع صوتها الحـ . ـاد وهي بتقول له من غير سلام: “بص يا خالد، لو مـ . ـتصل عشان تفتح سيرة الرجوع تاني، وفر وقتك ومجهودك. أنا مش فاضية للدراما دي، وعندي شغل لازم يخلص. ياريت تحترم خصوصيتي وتبطل تتصل بيا.”

الخط قطع، وصوت “التوت توت” كان عامل زي الرصاص في ودنه. هند اللي ساب مراته عشان يرضيها، مسـ . ـمعتش حتى صوت تعبه، ولا كلف نفسه خاطر تسأل “مالك؟”. قفل الموبايل ورمى بجسـ . ـمه لورا، والدمـ . ـوع نزلت من عينه بغزارة.. بس المرة دي مكنتش دمـ . ـوع ندم وبس، دي كانت دمـ . ـوع “قهر”.

افتكر في اللحظة دي لما نادية كانت بتسهر جنبه لو عطس، ولما كانت بتعمل له الكمادات قبل ما يطلبها. عرف إن الله حق، وإن “الجزاء من جنـ . ـس العمل”. هو اللي اختار “الوهم” اللي اسـ . ـمه هند، والوهم سابه في أول محطة تعب، وهو اللي رخص “الأصل” اللي اسـ . ـمه نادية، والأصل دلوقتى بقى بعيد عنه زي النجوم في السـ . ـما.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى